ابن أبي الحديد
199
شرح نهج البلاغة
( 300 ) الأصل : وقال عليه السلام وقد سئل عن مسافة ما بين المشرق والمغرب ، فقال : مسيرة يوم للشمس . الشرح : هكذا تقول العرب ( بينهما مسيرة يوم ) بالهاء ولا يقولون ( مسير يوم ) لان المسير المصدر ، والمسيرة الاسم . وهذا الجواب تسمية الحكماء جوابا إقناعيا ، لان السائل أراد أن يذكر له كمية المسافة مفصلة ، نحو أن يقول : بينهما ألف فرسخ أو أكثر أو أقل ، فعدل عليه السلام عن ذلك وأجابه بغيره ، وهو جواب صحيح لا ريب فيه ، لكنه غير شاف لغليل السائل ، وتحته غرض صحيح ، وذلك لأنه سأله بحضور العامة تحت المنبر ، فلو قال له : بينهما ألف فرسخ مثلا ، لكان للسائل أن يطالبه بالدلالة على ذلك ، والدلالة على ذلك يشق حصولها على البديهة ، ولو حصلت لشق عليه أن يوصلها إلى فهم السائل ، ولو فهمها السائل لما فهمتها العامة الحاضرون ، ولصار فيها قول وخلاف ، وكانت تكون فتنة أو شبيها بالفتنة ، فعدل إلى جواب صحيح إجمالي أسكت السائل به ، وقنع به السامعون أيضا واستحسنوه ، وهذا من نتائج حكمته عليه السلام .